2017/11/20 - 10:45 صباحًا
الرئيسية / العظماء المائة لجهاد الترباني / العظماء المئة / “العظماء المائة 8″.. الخليفة العملاق “سليمان القانوني” ومعركة “موهاكس الخالدة”

“العظماء المائة 8″.. الخليفة العملاق “سليمان القانوني” ومعركة “موهاكس الخالدة”

في بداية دراستي الجامعية للإعلام… درسنا نظرية إعلامية من أخطر النظريات
أدركت للوهلة الأولى أنها تطبق بشكل واسع في الإعلام الموجه إلينا وخاصة في ما يتعلق بتاريخنا
هذه النظرية تدعى Agenda Setting Theory… وتعني بالعربية نظرية ترتيب الأولويات
وتفترض هذه النظرية وجود علاقة بين القضايا التي توليها وسائل الاعلام مزيدا من الاهتمام وبين تزايد اهتمام الناس بتلك القضايا، بمعنى أن الإعلام هو الذي يحدد لك القضايا المهمة من القضايا التافهة، حتى ولو كانت القضايا المهمة التي يحددها لك الإعلام تافهة في حد ذاتها، أو أن تكون القضايا التي لا يغطيها الإعلام بشكل كبير ويعتبرها تافهة هي القضايا المهمة التي كان ينبغي مناقشتها والتي نجح الإعلام في صرفها عن تفكيرك. فمثلا يصبح الخبر الأول في نشرة الأخبار هو الخبر المهم بالنسبة لك … على الرغم من أنه في حقيقة الأمر ليس مهماً… ولكنه يصبح مهماً لأن القناة أو الدولة التي تعرض تلك النشرة الإخبارية عرضته في بداية نشرتها الإخبارية، أما الخبر المهم الحقيقي فربما يأتي في نهاية النشرة… وربما لا يأتي من الأساس، وبالتالي لا يصبح مهماً بالنسبة إليك.

هذا الأسلوب في الإعلام أعتقد أنه أخطر من الكذب… لأن الإعلام في هذه الحالة لا يكذب صراحة فيفقد مصداقيته عندك… ولكنه يخدعك من حيث لا تدري.. وذلك بتحديد أولوياتك…والأمثلة على ذلك كثيرة … خاصة في الإعلام العربي … لا يتسع المقام في هذا البرنامج لتحديدها… ولكن لو فكرت قليلاً وتأملت في كثير من وسائل الإعلام لوجدت الكثير من الأمثلة.

السينما الأمريكية صنعت فلما عن هذه النظرية يدعى WAG THE DOG
وقصة الفلم تتلخص أن الرئيس الأمريكي يتورط في فضيحة قبل موعد الانتخابات الرئاسية مما أفقده شعبيته لدى الناخبين، ولكن مسئول العلاقات العامة بمساعدة أحد صناع الأفلام ينجحون بصرف الناس عن متابعة تلك الفضيحة، وذلك بخلق قصة وهمية عن إرهابيين يحاولون ضرب الولايات المتحدة ممولين من إحدى الدول، ليتابع الإعلام الأمريكي قضية الحرب والإرهاب، فينسى الناس فضيحة الرئيس.
مرحباً بكم… هذا جهاد الترباني يحييكم في الحلقة الثامنة من برنامج العظماء المائة
وهي الحلقة التي سنستكمل فيها سوية حكاية الخليفة الإسلامي العملاق سليمان القانوني
والحقيقة أنني بدأت الحلقة بالتحدث عن نظرية ترتيب الأولويات تعقيباً على أسئلة وردتني من بعض المتابعين الأفاضل الذين سعدت جداً بمشاركتهم بأسئلتهم التي أعتقد أنها تعبر عن حالة موجودة بالفعل.

هؤلاء الإخوة بعثوا لي بأسئلة عقب الحلقة الماضية التي استعرضنا فيها جانباً من عظمة الخليفة سليمان القانوني … الأسئلة كانت تستفسر عن قصص لمشكلات عائلية وشخصية أثيرت حول حياة الخليفة العملاق سليمان القانوني… والتي أثيرت بالتأكيد في المسلسل السيء الذكر الذي حدد الأولويات التي يجب مناقشتها عن حياة هذا العظيم الإسلامي…
الأولويات هنا ليست قصص البطولة والتضحية والجهاد للخليفة سليمان القانوني…وإنما لقصص مؤامرات ودسائس وحريم

والحقيقة أنني بالرغم من معرفتي للإجابة فإنني لن أجيب… لعدة أسباب مهمة … أولاً: الحديث في هذا البرنامج عن حكايات لأبطال نحاول أن نتعلم منهم.. لا أن نتسلى بمشكلاتهم الشخصية… ثانيا: فليسأل كل واحد منا.. كم مشكلة عائلية يعاني منها؟ وهل يحب أن يتحول حديث الناس عن تلك المشكلات؟ ثالثاً: على الجميع أن يعلم أن المشكلات التي تواجه الملوك ليست كتلك التي تواجه جهاد أو عماد أو فيصل… فإي لين أو رقة في التعامل مع مشكلات التمرد والفتن … حتى مع أقرب الناس إلى الملك… قد تتسبب بتفكك الخلافة بأسرها وهدم مساجد وقتل مئات الآلاف من الأبرياء أما السبب الرابع: أن الحديث عن هذه الأمور التافهة غير مهم في ضوء الحديث عن فتوحات وانتصارات وقصص بطولية وأعمال جليلة!

وأخيرا فإننا نتحدث في هذا البرنامج عن بشر يصيبون ويخطئون… ولا نتحدث عن أشخاص منزهين، حتى الصحابة لم يكونوا معصومين من الخطأ، أما الذين يبحثون عن بشر من دون الأنبياء لا يخطئون، فليبحثوا عنها في الحضارة الإغريقية حيث يكون البطل عندهم نصف إلاه.

وقبل أن نستكمل حكاية بطلنا العملاق سليمان القانوني، أود أن أشكر جميع من بعثوا إلينا بتعليقاتهم واستفساراتهم
وأخص بالذكر هذه الحلقة المعلمين والمعلمات الأفاضل… الذين نشروا هذه الحلقات بين التلاميذ… وكم سعدت عندما بعث لي الأستاذ أحمد العنزي وهو أستاذ فاضل من أهل الكويت الكرام بصور من فصله أثناء مشاهدة التلاميذ للبرنامج…
وأي شخص يريد أن يرسل صور لها علاقة بالبرنامج سأرحب بها كثيراً وسأحاول أن أعرضها في الحلقات القادمة إن شاء الله
أما الآن فسنتكمل قصة سليمان القانوني إن شاء الله وحكاية معركة موهاكس العظمى..
كم منا قرأ عن هذه المعركة في كتب التاريخ المدرسية…أنا شخصياً لم يمر علي اسم موهاكس حتى قبل بضع سنوات…. فغزاة التاريخ لا يرغبون أن نقرأ أنا وأنت عن تاريخنا سوي الهزائم والفتن والنكسات
فما هي قصة معركة موهاكس الخالدة… التي غيرت من شكل القارة الأوروبية لمئات السنين

فبعد تولي أمير المؤمنين سليمان القانوني لمقاليد الخلافة
رفض ملك المجر دفع الجزية التي كان يدفعها للخليفة العملاق سليم الأول رحمه الله….ظنا منه أنه أمام خليفة شاب لا يملك قوة أبيه الذي كانوا يدفعون له الجزية.. وتعدى الأمر أن قام ملك المجر بقتل رسول الخليفة… عندما أعلنت الخلافة الإسلامية العثمانية المجاهدة حالة الحرب مع المجر… وتقدم الخليفة الشاب سليمان القانوني بنفسه جيشا إسلاميا متوجهاً نحو المجر… وفي الطريق فتح حصن بلغراد المنيع في القصة التي ذكرناها في الحلقة الماضية… وصادف أن كان الفتح في عيد الفطر المبارك… فتلقى أمير المؤمنين سليمان القانوني التهاني بالعيد والنصر بداخل بلغراد…وهي عاصمة صربيا الحالية… بعدها توجه شمالا إلى المجر… فأدركت القوى الصليبية أنهم أمام رجل جبار سيهدد عروشهم…

عند تلك اللحظة الحاسمة في التاريخ أعلن بابا الفاتيكان كليمنت السابع حالة النفير العام في أرجاء أوروبا لمحاربة سليمان القانوني…

وأصدر قرارا بمنح صكوك الغفران.. لكل صليبي يشارك بهذه المعركة…وهذه الصكوك هي بمثابة شهادات كنسية موقعة من البابا تضمن للجنود الصليبيين الغفران من ذنوبهم و الخلود في الجنة الأبدية … طبعا حسب الاعتقاد الكاثوليكي
فتكون بذلك كما قلنا في الحلقة الماضية أكبر حلف عسكري عرفته الدنيا حتى ذلك الوقت مكون من
الإمبراطورية الرومانية المقدسة: وتشمل كل من إسبانيا،إيطاليا، ألمانيا، النمسا،هولندا، بلجيكا، سويسرا، لوكسمبورغ، مناطق واسعة في فرنسا، وأراضي أوروبية أخرى
ومملكة المجر: وتشمل للمجر وسلوفاكيا وترانسيلفانيا وهي رومانيا الحالية إضافة لشمال صربيا
مملكة بوهيميا: وهي جمهورية التشيك الحالية
مملكة كرواتيا:
مملكة بولندا:
إمارة بافاريا الألمانية: وهي ولاية البايرن الألمانية
جيوش الدولة البابوية:
إضافة لمرتزقة أوروبيين من عدة مناطق

فكونوا أكبر تحالف صليبي تعرفه أوروبا في ذلك الوقت… مكون من القارة الأوربية كاملة تقريباً … باستثناء بريطانيا والبرتغال وأجزاء من فرنسا واسكندنافيا ممثلة في مملكة السويد
بريطانيا والسويد لم تشاركا في الحلف لأنهما كانا في طريق الانشقاق من الكنيسة الكاثوليكة واتباع المذهب البروتستانتي الذي أسسه مارتن لوثر… فرنسا كانت كاثوليكية ولكنها كانت على عداء مع أسبانيا وحليفة لدولة الخلافة التي حررت لها أرضها من الإسبان
البرتغال كانت أيضاً كاثوليكية… ولكنها لم تشارك لسببين… أولهما العداء مع إسبانيا… وثانيهما أنها كانت تخطط لضرب الأمة الإسلامية في مقتل بطريقة أكثر قذارة… سنكشف عنها خلال الحلقات القليلة القادمة إن شاء الله.
المهم … عسكر المعسكران قرب وادي يقع في جنوب جمهورية المجر الحالية أو هنغاريا… اسمه وادي موهاكس.. أو موهاج… وموهاتش كما يلفظ بالمجرية… كلها تسميات لنفس المعركة…

جيش الصليبيين كان يتكون من خيرة فرسان أوروبا… مدعمين بأسلحة متطورة … والحقيقة أن الجيوش الأوروبية … وجيوش الروم.. والروم كان لفظ يطلقه العرب غالباً على الأوروبيين بشكل عام… كانت جيوش صلبة… وكان الفارس الرومي أو الأوروبي يقدم على الموت إقداماً… ليس فقط للعقيدة الصليبية التي كانت مترسخة في قلوبهم وقتها وصكوك الغفران التي اعتقدوا أنهم نالوا من خلالها جنة الخلد… بل لظاهرة عجيبة عند الأوربيين ما زالت موجودة إلى يوم الناس هذا… فعلى عكسنا في نسياننا لأبطالنا التاريخيين بل وتشويه سيرتهم… فإن الأوروبيين يمجدون أبطالهم ولا ينسونهم أبداً… يكفيك أن تتنقل في أي شارع من شوارع أوروبا لكي تمر بصور وتماثيل لأبطالهم التارخيين… فكان الفارس الأوربي يعلم أن سيرته ستبقى بعد موته…بل ربما يتحول بعد موته إلى قديس لدى أمته… بل وربما إلى إله لدى تلك الشعوب… لذلك فقد كان الفارس الأوروبي يقدم على الموت إقداماً.
جيش موهاكس الصليبي كان بقيادة مجموعة من أعظم قادة المجر وقتها…
على رأسهم: الملك لويس الثاني … ملك مملكة المجر
بال توموري: وهو قسيس قاد أحد أجنحة الجيش بنفسه لبث الروح الصليبية لدى المقاتلين.
على الجهة الأخرى كان الجيش الإسلامي يتكون من قوات عثمانية مجاهدة مسلحة بالمدافع الفتاكة وقبل ذلك مسلحة بعقيدة التوحيد
مدعمة بقوات المهام الخاصة الإسلامية من جنود الانكشارية..
على رأس هذا الجيش القائد العام للقوات الإسلامية المجاهدة أمير المؤمنين السلطان سليمان القانوني
الذي أعطى التوجيه العسكري لقادة الجيش… وهو تدمير قوات العدو تدميرًا تامًا… وسحق قوات التحالف بشكل نهائي… والسيطرة على عاصمة العدو بودا

وفي ليلة المعركة… سهر السلطان المجاهد سليمان القانوني ليلته يصلي ويدعو الله أن ينصر المسلمين على أعدائهم… حتى جاء الفجر…. فتقدم خليفة المسلمين جيشه الجرار وصلى بهم إماماً في صلاة الفجر… وبعد الصلاة … نظر الخليفة المجاهد سليمان القانوني نحو جيش الإسلام العثماني بكل فخر واعتزاز… وقال لهم وهو يبتسم ودموعه تسيل من عينه … وكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليكم الآن!
عندها … انفجر الجنود بالبكاء… وعانقوا بعضهم البعض مودعين يرجون الشهادة في سبيل الله…
وفي 21 من ذي القعدة عام 932هـ , 29 أغسطس عام 1526م،
تذكر معي هذا التاريخ جيدًا… فهو تاريخ معركة موهاكس الخالدة…
صوت…

بدأت المعركة بتقدم فرسان التحالف الصليبي نحو جيش المسلمين… وكانت الخطة التي اختارها الخليفة سليمان القانوني تقضي باستدراج قوات الأعداء نحو الأمام ثم انسحاب مقدمة جيش المسلمين لتكون طلائع القوات الصليبية على مرمى المدافع الإسلامية…. وفعلا تقدم جنود الحلفاء نحو الجيش الإسلامي … ليفاجئوا بانسحاب المسلمين… فظنت الصليبيون أن القوات الإسلامية انهزمت من المعركة بسرعة… فاندفعوا كالسيل الجارف إلى الأمام… وعندها أعطى القائد سليمان القانوني الإشارة لسلاح المدفعية الإسلامية بالبدء بالهجوم المضاد… فأطلق المجاهدون المسلمون مدافع الخلافة العثمانية مدافعهم لتنتطلق القذائف على جيش الأعداء كالحمم النارية… فثارت الفوضى بين جيش الصليب … وأصيبوا بالهلع من هول الخطة السليمانية… وصار فرسانهم يتساقطون بالآلاف من أول دقائق المعركة التي بدأت للتو… في نفس كانت قوات المسلمين تحيط بقوات العدو لتحاصره…

ففرت القوات الصليبية من ساحة المعركة بشكل فوضوي… وغرقوا في نهر الدانوب… وكان ممن غرقوا ملك المجر لويس الثاني الذي حاول الفرار عن طريق الدانوب… وهلك أيضاً معظم قادة الجيش الصليبي وأبرزهم بال توموري: وهو قسيس قاد أحد أجنحة الجيش.
وانتهت المعركة بعد أن قتل فيها 20 ألف صليبي … بينما قتل من المسلمين 1500 مجاهد فقط .. نحسبهم شهداء ولا نزكيهم على الله.
وما يزال المجريون إلى يوم الناس هذا يتذكرون هزيمتهم النكراء في موهاكس… حتى صار عندهم مثل يقول “أسوأ من هزيمتنا في موهاكس”
كم كانت مدة هذه المعركة الكبرى… لقد استغرقت ساعة ونصف الساعة فقط… نعم ساعة ونصف.. تسعون دقيقة… أقل من زمن مباراة لكرة القدم … وإن كنت تتعجب من سرعة الانتصار في تلك المعركة… فسوف تتعجب أكثر عندما تتابع معي بقية قصة التاريخ الإسلامي في هذا البرنامج… فهناك معارك لم تستمر لأكثر من دقائق معدودة انتصر فيها المسلمون… وهذا شيء تكرر دائماً في تاريخ المسلمين… فالمرحلة المهمة هي أن يتحرك المسلمون ويعدوا العدة لعدوهم… أما النصر فهو من عند الله… قد يمنحه في ثوان معدودة…بعد أن يرى الله صدق نواياهم وإعدادهم الجيد.
وبعد موهاكس .. دخل المسلمون عاصمة المجر بودا … وهي جزء من العاصمة الحالية للمجر بودابيست بعد أن اتحدت مع مدينة بيست… دخل المسلمون المدينة وهم يكبرون… وتصادف أن يدخلوها في عيد الأضحى… فتلقى سليمان القانوني تهاني عيد الأضحى والنصر في بودا… بعد أن كان قد تلقى تهاني عيد الفطر و النصر في بلغراد.

المهم…بعد انتهاء المعركة اكتشف المسلمون أن قوة قذرة تدعي انتماءها للإسلام كانت تعاون المجر في حربها على المسلمين…
هذه القوة هي الدولة الصفوية الشيعية… والصفويون هم صنف من غلاة الشيعة من الفرس وأذنابهم… يدينون بالمجوسية بالخفاء ويظهرون الإسلام نفاقاً… ويحقدون على الإسلام بشكل عام وعلى العرب بشكل خاص… أسس دولتهم إسماعيل الصفوي… وظهرت هذه الدولة بين عام … وعام … قبل أن يعادوا بشكل جديد على يد الخميني عام … وسنتحدث في هذا البرنامج في الحلقات القادمة عن قصة ظهورهم ومعتقداتهم وأهدافهم بالتفصيل… إن شاء الله
وقد نشأت حروب كبيرة بين دولة الإسلام العثمانية بقيادة الخليفة سليمان القانوني ودولة المجوس الصفوية بقيادة طهمساب الأول ما بين عامي 940 – 963 هـ / 1532 – 1555 م كان المسلمون ينتصرون بها الواحدة تلو الأخرى… كان من أهمها تحرير بغداد من الصفويين بعد أن نبش الشيعة الصفويون قبر الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله واضع المذهب الحنفي أحد المذاهب الإسلامية الكبرى… وتمادى الصفويون في سفالتهم بأن أعلنوا في الأسواق أن قبر الإمام أبي حنيفة متاح لكي يبول عنده الناس… عندها تحرك الخليفة الشهم سليمان القانوني وأرسل جيشاً لتحرير بغداد من رجس الصفويين… وفعلاً حررت بغداد … واستسلم الفرس الصفويون ووقعوا بعد ذلك مع دولة المسلمين بقيادة الخليفة سليمان القانوني معاهدة معاهدة أماسيا التي نصت على ضم العراق وتبريز عاصمة الصفويين إلى دولة الخلافة العثمانية.
والحقيقة أن الصفويين كانوا ولا زالوا خنجراً في خاصرة الأمة الإسلامية… فقد ساعد الصفويين النمسا أثناء حصار القانوني لعاصمتهم فيينا مما أدى لفك الحصار على تلك المدينة التي كانت تعتبر مفتاح أوروبا… وهناك مثل يردده الأوروبيون “لولا الشاه لوصل العثمانيون لنهر الراين”.
وفي زمن القانوني انتصرت الجيوش الإسلامية في معارك لا تعد ولا تحصى… منها معركة بروزة البحرية الخالدة أكبر معركة بحرية في تاريخ الإسلام والتي ذكرناها في الحلقة السادسة، وفتوحات وصلت من الصومال وأريتريا جنوبا حتى أبواب فيينا شمالا، وتحرك الأسطول الإسلامي العملاق في زمانه لينقذ المسلمين الأوروبيين الذين يتعرضون للتعذيب في بلادهم الأندلس من قبل الصليبيين، فلم ينقذ سليمان القانوني المسلمين فقط من إرهاب الكاثوليك الإسبان وقتها، بل أنقذ أيضا اليهود الذين كانوا يتعرضون أيضا للتعذيب من قبل الصليبيين، فأنقذ المسلمون في زمن القانوني آلاف اليهود من إرهاب الصليبيين، وحملت البحرية الإسلامية اليهود لكي يعيشوا في سلام في أرض الخلافية الإسلامية… أرض الإسلام الدين الذي علم الدنيا معنى الإنسانية والسلام.

إلا أن عظمة الخليفة السلطان سليمان القانوني لا تقتصر على الجانب العسكري فقط…فقد كان هذا العملاق العسكري شاعراً وأديباً في نفس الوقت… يتقن عدة لغات أجنبية… وكان رجلا تقيا يكثر من الصلاة والصوم… ليس كما يصوره الإعلام بأنه غارق في الملذات الدنيوية… يكفي أن تعلم أنه خط القرآن الكريم بيده ثماني مرات… وقام
ويعتبر السلطان سليمان القانوني أول من قام بترميم المسجد الحرام من العثمانيين الأبطال… وأنشأ منارة للمسجد الحرام سميت باسم منارة سليمان القانوني، وقام بترميم المسجد النبوي والمسجد الأقصى، وطلب من المهندس الشهير سنان باشا بناء مسجد له في عاصمة الخلافة في إسطنبول … فصمم سنان باشا رحمه الله تحفة معمارية ليس لها مثيل …. فتم بناء جامع السليمانية العظيم… وصممه سنان باشا بطريقة هندسية رائعة صممت لانعكاسات الموجات الصوتية بين القباب التي كانت تعمل كأجهزة تضخيم صوت مبتكرة… فكان صوت الإمام يصل من المنبر إلى نهاية الجامع… وقد زرت هذا المسجد الرائع … وأنصح من يزور إسطنبول أن يزوره ويصلي به ويدعو للخليفة سليمان القانوني.
وبعد اتساع دولة الخلافة العثمانية … قام القانوني بوضع قانون تنظيمي للدولة عرف بقانون سليمان… القانون مستقى من الشريعة الإسلامية ويحدد أسس الحياة بأكملها.. وهذا القانون هو أساس لكثير من القوانين الأوروبية المستمدة منه. وقد كرم الكونغرس الأمريكي الخليفة المسلم سليمان القانوني بنقش صورته على مبنى الكونغرس… باعتباره أحد أهم المشرعين في تاريخ الإنسانية.
واستمر بطلنا يبني ويفتح وينتصر لمدة 46 عاماً في قضاها في جهاد وإعمار كخليفة للمسلمين …
وهي أطول فترة حكم لخليفة مسلم على الإطلاق
وسع فيها مساحة دولة الإسلام في فترة حكمه من ستة ملايين كم مربع، لتصبح 19 مليون كم مربع،
ضمت أعظم مدن وعواصم العالم … لا يتسع هذا البرنامج لعدها لكثرتها

وعندما وصل عمره إلى 74 عاماً.. وصلته أنباء أن ثغرا من ثغور المسلمين تعرض للاعتداء من ملك النمسا،
فقرر أن يفتح فيينا في محاولة جديدة
فنصحه الأطباء بعدم المشاركة لمرضه الشديد والآلام التي كان يعاني منها
إلا أنه أجاب الأطباء بقوله “إنني لأرجو الله أن أستشهد في ساحات الجهاد غازيًا في سبيل الله”
فحمل الجند الخليفة الذي لم يكن يقوى على الحركة من شدة المرض
فوصل جيش الخلافة العثمانية بقيادة القانوني إلى طريقه إلى فيينا إلى حصن سيكتوار المجري، وكانت قلعته من أحصن القلاع…
فلم يستطع المسلمون فتحه، واستمر الحصار على ذلك الحصن المنيع لخمسة أشهر متواصلة… وحالة أمير المؤمنين السلطان القانوني تزداد سوء…
عند ظن البعض أن ذلك الحصن لن يفتح أبداً… عندما سمع الجند صوتا خفيا ينبعث من غرفة السلطان

لقد كان صوت خليفتهم المريض سليمان القانوني وهو يدعو الله بصوت أعياه المرض متضرعاً إليه وطالبا منه أن ينصر المسلمين ويضرم النيران على الأعداء المعتدين”
وما أن فرغ القانوني من دعائه، حتى سقطت قذيفة عثمانية على مخزن البارود في ذلك الحصن، فتحولت سماء سيكتوار إلى كتلة من نار، وأضرمت النيران في جميع أرجاء الحصن، فتقدم المسلمون نحو الحصن، ورفعوا راية الهلال العثمانية فوق قلعته،
القلعة ورُفعت الراية العثمانية على أعلى مكان من القلعة،

فطار المبشرون بالبشرى للخليفة … فما أن سمع بأنباء الفتح حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشرقة وحدق بعينيه إلى أعلى وهو يقول بصوت خافت… الحمد لله … الآن طاب الموت… الآن طاب الموت ثم توقف ذلك الصوت … وتوقفت ذلك القلب … إنه نفس قلب ذلك الشاب الذي ظنه ملوك الأرض لقمة سائغة … فإذا به ينبض بالانتصارات والفتوح حتى جاء ذلك اليوم الذي توقف فيه عن النبض بعد حياة حافلة بالعطاء والتضحية والفداء.

من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا

وعندما وصلت أخبار موت السلطان سليمان القانوني … بكاه المسلمون في جميع أنحاء الأرض، فبكاه شيوخ مكة والمدينة وبكاه أطفال القدس… وبكاه شباب الجزائر وتونس الذين حررهم من الغزاة
وبكت نساء الأندلس الرجل الذي أنقذهن من أقبية التعذيب في كنائس إسبانيا الصليبية،
أما الصليبيون فقد احتفلوا بموته كما لو أنهم لم يحتفلوا بشيء قبل هذا…فدقت أجراس الفاتيكان عند ورود خبر موت الرجل الذي كان يرعبهم، وقال عنه المؤرخ الألماني
قال عنه المؤرخ الألماني هاملر: “لقد كان هذا السلطان أخطر علينا من صلاح الدين نفسه”
يقول المؤرخ الانجليزي هارولد لامب: “إن أعياد المسيحيين كثيرة ، وإن سألتني عن أهمها فهو بلا شك يوم وفاة القانوني”.

وأثناء تشييع سليمان القانوني تفاجئ الناس أنه أوصى بدفن صندوق مقفل معه في القبر، فخشي العلماء أن يكون هذا الصندوق به مجوهرات أو أموال وإتلاف المال والجواهر تحت التراب أمر لا يجوز شرعاً… فاتخذوا قرارًا بفتحه… فإذا به ممتلئ بصحائف عبارة عن فتاوى للعلماء

حيث لم يكن الخليفة سليمان القانوني يتخذ أي قرار مهم قبل الحصول على فتوى من مفتي الدولة توضح رأي الشرع في ذلك الأمر… ومن بين الفتاوى وجدوا فتوى طلب فيها سليمان القانوني الاستفسار من شيخ الإسلام أبي السعود أفندي وهو بمثابة مفتي الدولة العثمانية في دهن جذوع أشجار قصر الخلافة بالجير للحد من انتشار النمل على جذوع الأشجار، وهو الأمر الذي قدد يتسبب بقتل بعض النمل… فأجازه المفتي بذلك لكي لا ينتشر النمل في القصر، وعندما رأى الشيخ أبو السعود أفندي ما في ذلك الصندوق من فتاوى بجانب جثة القانوني… بكى بكاء شديداً وبكى جميع من كانوا في ذلك المكان…. عندها قال المفتي أبو السعود أفندي … أنقذت نفسك يا سليمان … أي سماء تظلنا وأي أرض تقلنا إن كنا مخطئين في فتيانا!
رحم الله أمير المؤمنين سليمان القانوني … وأسكنه فسيح جناته… وحشرنا وإياه في الجنة في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم

وبعد… كانت هذه السطور جزء يسيرا من سيرة رجل عظيم اسمه سليمان… كان يبدأ رسائله إلى ملوك أوروبا بعبارة “إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم”
ويعلم الله أنني حاولت الاختصار في سيرته قدر المستطاع … وما لم أقله من إنجازات أقل مما قلته… ولكن جهد المقل الذي أرجو فيه رحمة الله في الدفاع عن أبطال ضحوا بحياتهم لكي يصل هذا الدين إلي وإليك
فدراسة التاريخ ليست عبارة عن قصص للتسلية… وإنما هي سلاح نقاوم به غزاة التاريخ ونحن مرفوعي الرأس
وربما دراسة التاريخ هي ما مكنت رئيس تركيا رجب طيب أردوغان في الرد على ساركوزي بتذكيره بفضل أجداده المسلمين على فرنسا… لذلك فمن الطبيعي أن هاجم أردوغان قبل سنتين مسلسل حريم السلطان … وقال إنه لا يعرف أجدادا مثل الذين يصورهم هذا المسلسل الهابط، وأن أجداده أبطال عظماء أمضوا حياتهم على ظهور الخيول في حروبهم وفتوحاتهم التي خاضها.

أردوغان .. يبدو أنه قارئ جيد للتاريخ.. فقد صرح الأسبوع الماضي بتصريح عجيب…
ففي معرض زيارته لكوبا قال إن المسلمين هم من اكتشفوا الأمريكيتين قبل كولومبس بما يزيد عن 300 عام… وأن هناك مساجد كانت مبنية في العالم الجديد قبل وصول كولومبوس ومن معه إلى أمريكا.
فما مدى صحة ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؟
وهل فعلا كان الهنود الحمر مسلمين قبل وصول الأوروبيين إلى أرضهم
بدأ بحملة صليبية جديدة على المسلمين الذين استوطنوا أمريكا قبل وصلوه بمئات السنين؟
تابعوا معنا الحلقة القادمة لتدركوا مدى عظمة أجدادنا …و لنكتشف سوية…حجم الخديعة الكبرى التي تعلمانها في مدارسنا!
كونوا في الموعد … السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لمشاهدة “العظماء المائة 8″.. الخليفة العملاق “سليمان القانوني” ومعركة “موهاكس الخالدة”:

 

شاهد أيضاً

فيديو : وصيتي لكم إن كنت لن أعود, ألتقي بكم في جنة الخلود, سأرسم الحدود دماءً وورود

وصيتي لكم إن كنت لن أعود, ألتقي بكم في جنة الخلود, سأرسم الحدود دماءً وورود …