2017/11/20 - 10:42 صباحًا
الرئيسية / العظماء المائة لجهاد الترباني / العظماء المئة / “العظماء المائة 5″.. عملاق الجزائر “الأمير عبد القادر الجزائري”

“العظماء المائة 5″.. عملاق الجزائر “الأمير عبد القادر الجزائري”

في هذه الحلقة سنسعرض سويا قصة بطل من أبطال الجزائر، في البداية يجب عليّ أن أعترف أن تاريخ الجزائر القديم والحديث كان شيء غامض بالنسبة لي، وأعتقد أنه شيء غامض بالنسبة للكثيرين ممن لا يعرفون تاريخ هذا البلد الإسلامي الكبير، وذلك لأسباب عديدة من أهمها إقفال المناهج الدراسية العربية لتاريخ الجزائر العظيم وهو ما قام به غزاة التاريخ عملائهم، وأقسم أنني عندما قلبت صفحات التاريخ عن قصة الجزائرة وجدت أن لهذا البلد العملاق تاريخ، أقل ما يقال عنه أنه تاريخ يكتب بماء الذهب.

وفي هذه الحلقة سنحاول إستعراض لمحات من تاريخ الجزائر عبر قصة عظيم من عظماء أمة الإسلام، ظهر في الجزائر غير من مجرى التاريخ، هذا العظيم هو البطل الإسلامي الكبير “الأمير عبد القادر الجزائري” رحمه الله تعالى. الذي قاوم الغزاة الفرنسيين وأذاقهم الهزائم تلو الهزائم وذلك منذ تقدم فرنسا لإختلال الجزائر عام 1827، وقبل أن نستعرض قصة هذا البطل العظيم، علينا أن نطرح على أنفسنا ثلاث أسئلة: لماذا فرنسا بالتحديد ولماذا الجزائر بالتحديد ولماذا سنة 1827 بالتحديد، هل كانت مجرد مصادفة أم أن كل شيء كان مدبر بإحكام من الغزاة.

ولمعرفة الإجابة عن السؤالين الأخيرين إبقوا معي لنهاية الحلقة، لكي تعلموا أن أعداء الأمة يختطون بطريقة خبيثة وقذرة لكل خطوة في طريق حربهم ضد هذه الأمة. أما السؤال الأول فلماذا فرنسا بالتحديد؟ فسنجيبه الأن بعد من خلال إستعراضنا لحقائقك تاريخية لن تستغرب بعد معرفتها من كون فرنسا هي الدولة التي تقدمت غيرها من الدول الأوروبية لتكون على طليعة الدول الإستخرابية.

فرنسا كان لديها ولازال إحساس بأنها هي المدافع الأول عن المسيحية الكاثوليكية، وسنشاهد عبر حلقات برنامجنا لاحقا أنها لطالما كان تمد الجيوش القشطالية في الأندلس بالمتطوعين والأسحلة في حربهم ضد دول الأندلس الإسلامية عبر مئات السنين. حتى في شرق القارة الأوروبية كانت فرنسا دائما تدفع بالجنود الفرنسيين في حروب الخلافة العثمانية الإسلامية وذلك لمساندة الدول المسيحية في شرق القارة حتى ولو كانت فرنسا مع عداء مذهبي مع تلك الدول التي كانت تتبع الكنيسة الأرثودوكسية، لذلك فلن تستغرب أن الدعوة للحروب الصليبية مثلا لم تخرج روما وإنما من فرنسا وبالتحديد في مدينة “كلير مو” الفرنسية سنة 1095 عندما نادى منها البابا أوربان الثاني لقتال المسلمين.. هل فهمت الأن سر عداء فرنسا لكل ما هو إسلامي، هل فهمت سر حساسية فرنسا من الحجاب.. هل أدركت السبب وراء كون فرنسا أكبر معارض لتركيا للإنضمام للإتحاد الأوروبي.

إن دراستنا للتاريخ لا تنبع من كون دراست التاريخ مجرد قصص نتسلى بها، وإنما ندس التاريخ لكي نفهم الحاضر ونستفيد منه في بناء المستقبل، وهذا ما نرمي إليه من خلال طرحنا لحلقات هذا البرنامج، نريد أن ندرس التاريخ لكي نبني من خلاله مستقبل أمتنا المجيد الذي حتما وبدون أدنى شك سيعود مشرق من جديد.

وإحتلال فرنسا للجزائر لم يكن كما كان يعتقد بعض المساكين من أجل نشر الحضارة في الجزائر، فقد كانت الجزائر أكثر تحضرا ورقيا من فرنسا، بل إن فرنسا كانت عاجزة عن سداد ديونها الكبيرة لدى الجزائر وقتها، حيث كانت الجزائر تقرض فرنسا قبل غزوي فرنسا لها.. وكانت الحضارة العلمية والتقدم المدني في الجزائر يفوق بكثير التخلف الحضاري الذي كان سائدا في فرنسا. يكفيك أن صناعة العطور الفرنسية جأت بعد إنتشار الروائح القذرة في شوارع باريس، الأمر الذي دفع الفرنسيين لصناعة العطور للتخفيف من وطأت تلك الروائح الكريهة، بينما كانت شوارع الجزائر العاصمة مثالا حيا للتقدم الإسلامي. ويكفيك أن تقرأ ما كتبه الرحالة الالماني فيلتمان شامبر عنجما زار الجزائر شهر ديسمبر من عام 1831 حيث قال: “لقد بحثتُ قصداً عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعوب الأوروبية”.

وحتى بعد الثورة الفرنسية فإن فرنسا لم تتحول للعلمانية كما يظن الكثيرون، بل كانت نصرانية كاثوليكية صليبية، ولعل ما جاء على لسان الفرنسيين أنقسهم ما يأكد هذا القول، وإقرأ إن شئت قول القائد الفرنسي “كليرمود دي طونير” عندما فرض حصار على السواحل الجزائرية، حيث قال: “ربما يساعدنا الحظ بهذه المناسبة لننشر المدنية بين السكان الأصليين فندخلهم بذلك في النصرانية”. وأيضا الوصف الذي قدمه قائد الحملة الفرنسية دوبرمون في الإحتفال الذي أقيم في فناء القصبة بمناسبة الإنتصار حيث جاء فيه : “مولاي، لقد فتحت بهذا العمل (الغزو) بابا للمسيحية على شاطئ إفريقيا “. ولك أن تعلم أنه من أصل 112 مسجدا في العاصمة الجزائر لوحدها قبل الغزو الفرنسي، لم يبقي الفرنسيون إلا على 5 مساجد فقط والباقي قاموا بهدمه أو تحويله إلى مخازن أو إسطبلات، ثم منعوا الحج تمام. وقام الجنود الفرنسيون بالنهب والسلب في بيوت المسلمين الجزائريين حتى إن بعضا من الفرنسيين كانوا يأتون بأقراط النساء بأذانهم بعد أن يقطعوها بالسكين.

هذه المأسي نذكرها لنبين للممبهرين بالأتيكيت الفرنسي، أن الفرنسيين مازالوا يرفضون الإعتراف للجزائر عن جرائهم التي إرتكبوها في حق المسلمين في الجزائر، بل إن البرلمان الفرنسي في عام 2005 سن قانون يمجد في تاريخه في الجزائر وإعتبره فعلا حضاريا، فإن كان ما فعله الفرنسيين في الجزائر حضارة “فسحقا إذا لحضارتهم”.

ومن بين ركام جرائم الفرنسيين في الجزائر، خرج عظيمنا العملاق “الأمير عبد القادر الجزائري” ليقود حركة الجهاد الإسلامي ضد الغزاة الفرنسيين الصليبيين، وكان وقتها في بداية العشرينات من عمره، فوحد صفوف القبائل تحت إمرته وشرع بالنضال لطرد الغزاة فأذاق الفرنسيين الويلات وكبدهم الخسائر الفادحة. الأمر الذي دفع فرنسا إلى إرسال جيش لتدمير الأمير وجنوده، وفي عام 1835 إلتقى الجيش الفرنسي بدعما بأحدث الأسلحة العسكرية أنذاك والمزود بمؤنة وزخيرة ومدافع، بقيادة وزير الحرب الفرنسي “تريزيل” ليقابل الجيش الجزائري بقيادة البطل “عبد القادر الجزائري” في معركة المقطع.

فإنتصر مجاهدو الجزائر بقيادة “الأمير عبد القادر الجزائري” على الغزاة الفرنسيين في معركة المقطع الخالدة، وقتل مئات الغزاة الفرنسيين الصليبيين على أيدي أبطال الجزائر، ولفت الأمير عبد القادر الجزائري أنظار العالم إلى عبقرية فريدة، حيث أن عمره وقتها لم يتجاوز السادسة والعشرين.

فإستمر في توحيد الصفوف ومقاومة المستخرب الفرنسي، وإبتكر نظاما جديدا لم يكن معروفا وهو نظام العاصمة المتنقلة فكان يتنقل بعاصمته من مكان إلى مكان. الامر الذي أربك الفرنسيين لسنوات طويلة لاقوا فيها الهزائم تلوى الهزائم مما دفعهم في النهاية لعقد إنفاقية صلح مع الأمير، ولكن كعادتهم سرعان ما نقضوها، فقام الجنرال “بيجو” بإتباع سياسة الأرض المحروقة وإرتكاب أبشع صور الجرائم، قال للجزائرين: “سوف أقوم بحرق قراكم، وسوف أقوم بإقتلاع أشجار الفاكهة لديكم”. وحقننا لدماء الجزائريين الذين حرقت قراهم وحرقت جثثهم أحياء، إستسلم الأمير المجاهدي عبد القادر الجزائري لكي يوقف الفرنسيون جرائهم ضد الأطفال والنساء، فقام الفرنسيون بإرساله إلى سجن في فرنسا. ثم أطلقوا سراحه بعد سنوات من الأسر بشرط أن لا يعود للجزائر. فسافر إلى عاصمة الخلافة الإسلامية “إسطنبول” حيث إستقبله الخليفة الإسلامي وأكرم نزله فطلب منه الأمير أن يعيش في دمشق، فعاش الأمير في دمشق إلى أن توفي رحمه الله عام 1300 هـ/ الموافق لعام 1883 م.

العجيب والجميل في قصة “الأمير عبد القادر الجزائري” أنه عندما كان يقيم في دمشق، حصلت فتنة بين الدروز والنصارى فقام الأمير بحماية ألاف النصارى الذين إحتموا به، غير آبه بما فعله النصارى بالمسلمين في بلاد الجزائر ضاربا بذلك أروع صور السمو الإنساني الإسلامي لدعاة الحضارة من الصليبيين الفرنسيين.

أما الأن فقد جاء وقت الإجابة عن السؤالين الذاين طرحناهما في بداية الحلقة لماذا الجزائر بالتحديد؟ ولماذا عام 1827 بالتحديد؟ أما لماذا عام 1827 ففي هذا العام تم تدمير أسطول الخلافة الإسلامية في “معركة نفارين”، فعلم الغزاة الصليبيون أنه ليست هناك قوة بحرية تحمي شواطء الجزائر، فلن ينتظروا طويلا فقام الأوغاد بغزو الجزائر في نفس السنة. أما لماذا الجزائر؟ فقد أراد الغزاة الصليبيون الإنتقام من الجزائر بالذات حيث كانت الجزائر قاعدة الخلافة الإسلامية في جهادها البحري ومركزا للإسطول الإسلامي العملاق التابع لقوات الخلافة الإسلامية العثمانية، وكان يطلق على الجزائر وقتها “دار الإسلام والجهاد”.

الجزائر إذا كانت معنية بالتحديد، حيث كانت مركزا لأعظم قوة بحرية على وجه الأرض، ويكفيك أن تدرك مدى القوة التي وصلت إليها الجزائر تحت ظل الخلافة الإسلامية العثمانية، أن تعلم أن “جورج واشنطن” أول رئيس للولايات المتحدة الأميركية دفع الجزية لإسطول الخلافة الإسلامية العثمانية المتمركز في الجزائر.

فما قصة هذا الأسطول الإسلامي الذي كان أعظم قوة على وجه الأرض وكيف كانت ممالك أوروبا تتسابق لدفع الجزية لهذا الأسطول، وما قصة “معركة بروزا” الخالدة أكبر معركة بحرية في التاريخ الإسلامي بأسره، وما قصة العملية المستحيلة التي قام بها قائد الأسطول الإسلامي لإنقاذ مسلمي الأندلس من مراكز التعذيب الإسبانية. تابعوا معي الحلقة القادمة لنتابع سويا قصة أخوين عظيمين غيرا مجرى التاريخ بأسره… كونوا في الموعد.

لمشاهدة “العظماء المائة 5″.. عملاق الجزائر “الأمير عبد القادر الجزائري”:

 

شاهد أيضاً

فيديو : وصيتي لكم إن كنت لن أعود, ألتقي بكم في جنة الخلود, سأرسم الحدود دماءً وورود

وصيتي لكم إن كنت لن أعود, ألتقي بكم في جنة الخلود, سأرسم الحدود دماءً وورود …